أبحاثاستفساراتخطبدروسفتاوىمحاضراتمقاطع مرئيةمقالاتمنوعات

أراكان مأساتنا لا مأساتهم

أراكان إقليم في دولة بورما – أو ميانمار – الآسيوية يقيم فيه شعب الروهينجا المسلم المستضعف ، ويرغب حكام ورهبان البوذية في تلك البلاد في تفريغ عموم بورما من المسلمين ونزع كامل إقليم أراكان من أيديهم ، ومنذ سنوات متطاولة تتجدد – بين حين وآخر – المجازر والذبح بالسكاكين والاغتصاب والتهجير القسري ودفن الرجال والنساء والأطفال وهم أحياء ، والقتل بكل أشكال الإبادة الجماعية ، والعالم كله ينظر ولا يحرك ساكنًا ؛ إلا من إدانة متهافتة واستنكار خافت يدعو في حقيقته البوذيين إلى الاستمرار في إجرامهم ..
وقبل أيام قلائل قتل هؤلاء البوذيون نحو ثلاثة آلاف مسلم ذبحًا أمام أعين العالم ، وما زال الإجرام البوذي يتجدد ..

ونقول وبالله التوفيق :
حسبنا الله ونعم الوكيل في هؤلاء المجرمين ومن خلفهم ..
أما عن قتلانا الروهينجا في أراكان فنحسبهم شهداء ؛ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..
ولكن الخوف الحقيقي والمأساة الخطيرة فهي مأساتنا نحن المقصرون والقاعدون عن نصرة وإغاثة إخواننا المسلمين..
قنتنا وقنت عموم المسلمين في صلواتهم دهورًا لإخوانهم في غزة وفي حلب وغيرهما من مواطن انتهاك حرمات المستضعفين من المسلمين ، ولكننا تقاعسنا حتى عن القنوت وصمتنا صمتًا مخزيًا تجاه مذابح إخواننا في أراكان – إلا من شاء الله – .
فما الذي يدعونا للضعف والجبن عن مواجهة مآسي أمتنا ؟!!

نعم إن مما يوجب الصبر الاضطراري على استعلاء العدو : فقدان الأسباب .. ولكن مع ذلك نقول :
رغم كل ما يمر بالمسلمين من المحن والأزمات والبلايا ؛ فالمؤمن يجب أن لا ينفك أبدًا من أن يكون عالي الهمة ، سامي النفس ، طامحًا ساعيًا للنصر والتمكين فضلًا عن الدفاع عن المسلمين المستضعفين؛ حتى وإن كان فاقدًا لأسباب ذلك ؛ فإنه يسعى لتحصيلها ويبذل في ذلك قصار جهده في المستطاع من الأسباب و يتوكل على الله { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه }.
وقال الله عز وجل: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [محمد /31].
وفي هذه الآية الكريمة قسم الله عز وجل الناس قسمين :
قسم مجاهد في نحر العدو ..
وقسم صابر .. سواءً بالسجن ، أو بالتضييق – كما هو حال كثير من العلماء والدعاة والملتزمين اليوم – ، وبالصبر والتقوى يفشل كيد الأعداء كما قال الله تعالى: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } [آل عمران / 120].
ولسنا فاقدين للأسباب كلها ؛فالحق أننا نملك جملة من الأسباب الشرعية والمادية، علينا الأخذ بها ؛ منها :
1- الاستغفار والدعاء ؛ يقول تعالى : { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ …} الآية. [غافر/60].
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى : والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل …اهـ الجواب الكافي [ص4].

2- تقوى الله عز وجل ؛ كما تقدم في قوله تعالى : { … وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً …}. فلا ينبغي للمسلم أن يظل متماديًا في غيه وعصيانه وهو يزعم أنه مصابر لأعداء الله فاقد لأسباب مواجهتهم ودحرهم !!
يقول شيخ الإسلام :
… فَالصَّبْرُ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَقْدُورِ ، وَالتَّقْوَى يَدْخُلُ فِيهَا فِعْلُ الْمَأْمُورِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورِ . فَمَنْ رُزِقَ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ جُمِعَ لَهُ الْخَيْرُ …اهـ مجموع الفتاوى [2/327].

3- التحريض لكل من له قدرة على المناصرة والمساعدة بأي نوع من القوة مادية كانت أم معنوية ؛ قال الله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ … }الآية [الأنفال/ 65].
يقول العلامة السعدي :
… أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ }.اهـ تيسير الكريم الرحمن [ص325].
وقال تعالى: { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا }.
وقال صلى الله عليه وسلم: ? إذا تبايعتم بالعينة « نوع من أنواع الربا » وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم ? [رواه أبو داود]. وهو صحيح.
فعلى شباب المسلمين في أراكان وما حولها مثل : بنجلاديش والهند وعموم جنوب شرق آسيا ، وعلى كافة من يستطيع نصرتهم أن ينفروا دفاعًا عن دينهم وأنفسهم وإخوانهم ؛ فقد آن الأوان أن يدفع هذا الظلم المستشري والمتكرر عن إخواننا في أراكان.
وقد سئل شيخ الإسلام عن المغول المتسترين بالإسلام وقد فعلوا بالمسلمين مثل ما فعل هؤلاء البوذيون ؛ بل قد فاق البوذيون في أراكان إجرام المغول ، وكان نص السؤال ما يلي :
مَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةِ الدِّينِ :
فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ قَدِمُوا سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَفَعَلُوا مَا اشْتَهَرَ مَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ بَعْضِ الذَّرَارِيِّ وَالنَّهْبِ لِمَنْ وَجَدُوهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَتَكُوا حُرُمَاتِ الدِّينِ مِنْ إذْلَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِهَانَةِ الْمَسَاجِدِ لَا سِيَّمَا ” بَيْتُ الْمَقْدِسِ ” وَأَفْسَدُوا فِيهِ وَأَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْحِمْلَ الْعَظِيمَ وَأَسَرُوا مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ الْجَمَّ الْغَفِيرَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ . وَادَّعَوْا مَعَ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَادَّعَوْا تَحْرِيمَ قِتَالِ مُقَاتِلِهِمْ لَمَّا زَعَمُوا مِنْ اتِّبَاعِ أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَلِكَوْنِهِمْ عَفَوْا عَنْ اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ . فَهَلْ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ أَوْ يَجِبُ وَأَيُّمَا كَانَ فَمِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ جَوَازُهُ أَوْ وُجُوبُهُ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .
فكان مما أجاب رحمه الله تعالى :
… وَقِتَالُ هَذَا الضَّرْبِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مَنْ عَرَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ …اهـ مجموع الفتاوى [28/501 وما بعدها].
4- طلب علم الدين والدنيا ؛ فالعلم سبيل لمواجهة الأعداء .. والأمة الجاهلة لا تتمكن من مواجهة عدوها ؛ بل تظل أسيرة فتات علومه الدنيوية والعسكرية ، كما تظل جاهلة بما أوجب عليها ربها من إعداد ونصرة للدين .. ولهذا حديث يطول كررناه مررًا ..

5- الانتهاء عن التنازع فيما بين المؤمنين ؛ قال الله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } سورة [الأنفال/46].
يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى :
{ ولا تنازعوا فتفشلوا }، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم { فتفشلوا }، يقول: فتضعفوا وتجبنوا، { وتذهب ريحكم }. يعني: من البأس والكثرة. وإنما يراد به في هذا الموضع: وتذهب قوتكم وبأسكم، فتضعفوا ويدخلكم الوهن والخلل.اهـ تفسير الطبري [13/575 – 576].
فليس الزمان زمان اختلافات وتنازعات بينما أجمع أعداء المسلمين – في كافة أقطار الأرض – أمرهم على العمل لاستئصال المسلمين سواء في أراكان أو غيرها ..
6- تكوين مجلس من علماء ودعاة المسلمين الروهينحا للتواصل مع الدول الإسلامية المتعاطفة معهم لدعم قضية انفصال إقليم أركان المسلم عن بورما البوذية الوثنية. ودعم قضيتهم بشكل عام .

نصر الله دينه وعباده المؤمنين في أراكان وعموم بقاع الأرض ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق