مقالات

الفتوى وفقه المألات

 الفتوى وفقه المألات
🖊عبد الله بن فيصل الأهدل
🗓الخميس 1438-1-15
———————————

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأما بعد: فهذا الموضوع يستند إلى قاعدتين فقهيتين هامتين:-
الأولى: الأمور بمقاصدها, ومن أدلتها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات).متفق عليه.
الثانية: قاعدة سد الذرائع, ومن أدلتها: ﴿ياأيها الذين أمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا﴾.
وهاتان القاعدتان تستند إلى أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقد قال صلى الله عليه وسلم: تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه (رواه مالك في الموطأ 3338. وحسنه الألباني في مشكاة, 186).
قال ابن القيم رحمه الله: (صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده ، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما ، بل هما ساقا الإسلام ، وقيامه عليهما ، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم ، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة
وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد ، يميز به بين الصحيح والفاسد ، والحق والباطل ، والهدى والضلال ، والغي والرشاد ، ويمده حسن القصد ، وتحري الحق ، وتقوى الرب في السر والعلانية ، ويقطع مادته إتباع الهوى ، وإيثار الدنيا ، وطلب محمدة الخلق ، وترك التقوى .
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم :
أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما .
والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسول الله سلى الله عليه وسلم في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر (أعلام الموقعين : 1/87 ).
وقد جاءت توجيهات القرآن والسنة جامعة مانعة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن ذلك التأني والتفكير في المألات والعواقب, بديلًا عن الحماسة المفرطة أو السطحية, وكلاهما يفضي إلى الهلاك.
وينبه الشاطبي رحمه الله تعالى إلى ضرورة اعتبار المآلات في فتوى المجتهد فيقول ( النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يجتهد على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الأحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه فعله ) (الموافقات 1/140 ) ويقول أيضاً ( وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة )(الموافقات :4/110 ).
فالمجتهد حين يجتهد ويحكم ويفتى عليه أن ينظر إلى مألات الأفعال التي هي محل حكمه وإفتائه وأن يقدر عواقب حكمه وفتواه. فمهمته لا تنحصر في إعطاء الحكم المجرد.. ولذلك لما قال عمر رضي الله عنه دعني أضرب عنقه- أي عبد الله بن سلول رأس النفاق- قال صلى الله عليه وسلم: كيف يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه.
والأعمال بالنسبة لمألاتها أربعة أقسام:
الأول : ما يكون أداؤه يؤول إلى الفساد قطعياً : كمن حفر بئراً مكشوفة في طريق المسلمين فهذا ممنوع بالإجماع.
الثاني : ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً كزراعة العنب مع انه قد يتخذ خمراً فهذا حلال لا شك فيه .
الثالث : ما يكون أداؤه إلى المفسدة من باب غلبة الظن كبيع السلاح وقت الفتن وبيع العنب للخمار وهذا ممنوع أيضاً .
الرابع : مايكون أداؤه إلى المفسدة دون غلبة الظن كالبيوع التي تتخذ ذريعة للربا وهذا موضع خلاف.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (يحرم عليه – أي على المفتي – إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرم أو مكر أو خداع أن يعين المستفتى فيها ويرشده إلى مطلوبه أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذراً فطناً فقيهاً بأحوال الناس وأمورهم يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهرٌ جميل، وباطنها مكرٌ وخداعٌ وظلم! فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضى بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها،
فالأول : يروج عليه زَغَل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل الدارهم،
والثاني : يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود، وكم من باطلٍ يخرجه الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حقٍ يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس ولكثرته وشهرته يستغنى عن الأمثلة بل من تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة ، وكسوها ألفاظاً يقبلها من لم يعرف حقيقتها)(أعلام الموقعين 4/229 ).
ولذلك أنكر الحسن تحديث أنس رضي الله عنه للحجاج بقصة العرن

يين, لأنه أتخذها وسيلة إلى ما كان يسلكه الحجاج من الإسراف في سفك الدماء بتأويلات واهية (أنظر فتح الباري1/225).
وقد يقال أن الحديث في فقه المآلات قد تركز على البحث في المآلات السيئة في أي قضية بينما قد يكون هناك مآلات صالحة ونافعة يغفلها المتشددون الذين يغلبون المفاسد على المصالح وهنالك نقول : نعم قد يوجد بعض المصالح ولكن العبرة بالغالب الأكثر وبالذي يتحقق في الواقع وليس متوهماً
والمقصود من التنبيه على فقه المآلات هو التأكيد على العناية بهذا الفقه وأن يكون حاضراً في أحكامنا ومواقفنا وأن نكون على دراية في فهم الواقع وأهله وملابساته فإذا قام عالم راسخ في فهم الواقع وأهله واجتهد في كون الحكم في هذا الأمر أو ذاك يؤدي إلى المآلات أو لا يؤدي إليها أو كانت المآلات الصالحة أكثر أو أن المآلات السيئة أكثر فهذا موطن اجتهاد له وزنه وتقديره لأنه نجم عن استفراغ الجهد في معرفة الأحكام وما تؤول إليه في واقع الناس وليس الكلام عن فقه المآلات مع هؤلاء العلماء الواعين المخلصين إنما الكلام عن هذا العلم الشريف هو مع المتسرعين في أحكامهم ومواقفهم الذين لم ينطلقوا من دراسة شرعية واعية متأنية وإنما انطلقوا من ردود أفعال متسرعة وحماس غير منضبط بالشرع والعقل ولم يبالوا بما يترتب على مواقفهم المتسرعة من مآلات وشرور (أنظر العلوم الضرورية لفقه النوازل. لعبد العزيز الجليل).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق